ابو القاسم عبد الكريم القشيري
339
لطائف الإشارات
أن الخير في ألا يجيبه ، والاستعجال - فيما يختاره العبد - غير محمود ، وأولى الأشياء السكون والرضا بحكمه سبحانه ، إن لم يساعده الصبر وسأل فالواجب ترك الاستعجال ، والثقة بأنّ المقسوم لا يفوته ، وأنّ اختيار الحقّ للعبد خير له من اختياره لنفسه . قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 12 ] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 ) جعل الليل والنهار علامة على كمال قدرته ، ودلالة على وجوب وحدانيته ؛ في تعاقبهما وتناوبهما ، وفي زيادتهما ونقصانهما . ثم جعلهما وقتا صالحا لإقامة العبادة ، والاستقامة على معرفة جلال إلهيته ؛ فالعبادة شرطها الدوام والاتصال ، والوظائف حقّها التوفيق والاختصاص ولو وقع في بعض العبادات تقصير أو حصل في أداء بعضها تأخير تداركه بالقضاء حتى يتلافى التقصير . ويقال من وجوه الآيات في الليل والنهار إفراد النهار بالضياء من غير سبب ، وتخصيص الليل بالظلام بغير أمر مكتسب « 1 » ، ومن ذلك قوله تعالى : « فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً » : وهو اختلاف أحوال القمر في إشراقه ومحاقه ، فلا يبقى ليلتين على حال واحدة ، بل هو في كل ليلة في منزل آخر ، إما بزيادة أو بنقصان . وأمّا الشمس فحالها الدوام . . والناس كذلك أوصافهم ؛ فأرباب التمكين الدوام شرطهم ، وأصحاب التلوين التنقل « 2 » حقّهم ، قال قائلهم : ما زلت أنزل من ودادك منزلا * تتحير الألباب دون نزوله
--> ( 1 ) أي أن أفعال اللّه بمخلوقاته لا تخضع لعلة أو سبب ، أو حيلة أو كسب . ( 2 ) يقصد بالتنقل هنا التقلب في الأحوال . . وليس التنقل من مكان إلى مكان .